أخبار المكتبة

عالم النشر الجديد والعجيب

لقد صُوِّرَت صناعة النشر والإعلام المطبوع بوجه عام خلال العِقد الماضي على أنها الضحية النبيلة التي تندثر ببطء دون أدنى شك جرّاء ظهور الإعلام الرقمي. ولم يعد يُحصِّل النشر سوى القليل جدًا من المال كل عام بعد غزو الإعلام الرقمي لثقافتنا وعزوف القرّاء عن الكتب.

وبرغم حقيقة أن صناعة النشر قد اهتزت من أساسها على مدى الخمسة عشر عامًا الماضية، إلا أنها في منجى من الاندثار. وكشف التقرير الصادر عن جمعية الناشرين الأمريكيين أن أرباح صناعة النشر ككل (سواء المنشورات المطبوعة أو الإلكترونية) بلغت 7.4 في المائة العام الماضي بإجمالي إيرادات 6.533 مليار دولار. انخفضت مبيعات الكتب المطبوعة خلال العام الماضي إلى 74 مليون دولار في حين ارتفعت مبيعات الكتب الإلكترونية إلى أكثر من 75 مليون دولار (ويظهر أن الانخفاض الحاد في مبيعات الكتب المطبوعة بدأ يخف تدريجيًا).  فكلما ارتفعت مبيعات الكتب، ارتفعت إيرادات الصناعة- مما يجعلنا واثقين من استمرار الإقبال على الكتب المطبوعة.

قد تكون الكتب الإلكترونية في واقع الأمر أفضل ما يحدث للكتب المطبوعة في المستقبل القريب.  وكشفت الدراسة التي أجراها “مركز بيو الأمريكي للأبحاث” أن 88% من قارئي الكتب الإلكترونية خلال العام الماضي لم ينقطعوا عن مطالعة الكتب المطبوعة.  كما اكتشفت الدراسة أن قارئي الكتب الإلكترونية يطالعون المزيد من الكتب بمختلف الصيغ.

ومن المثير للاهتمام، أن بعض الكتب الأكثر شعبية في صناعة النشر الإلكتروني الجديدة كانت ذائعة ومنتشرة خلال عقود طويلة. أُختير كتابيّ الدكتور سيوس: “Green Eggs and Ham” (الذي نُشر عام 1960) و”Oh, The Places You’ll Go” (الذي نُشر عام 1990) ضمن قائمة أفضل 20 كتاب مطبوع وإلكتروني مبيعًا (والتي لا تقتصر على كتب الأطفال)، وكذلك كتاب “لعبة إندر” (Ender’s Game) للكاتب/ أورسون سكوت كارد، الذي نُشر عام 1985، ومن الملفت للانتباه أن كتاب “غاتسبي العظيم” (The Great Gatsby) احتل المرتبة السادسة في قائمة الكتب المطبوعة، بينما احتل المرتبة السابعة في قائمة الكتب الإلكترونية الخاصة بشركة أمازون.

ومن بين الجوانب الأخرى الممتعة في اتجاه الكتب القديمة أنه يدحض الفكرة السائدة عن التأثير السلبي للتلفاز والأفلام على القراءة.  فمع تعدد أشكال الترفيه والمصادر المعلوماتية المتنافسة، لم تشكل الكتب إحدى أشكال الترفيه المكلفة والباهظة والعتيقة.  فبدلاً من استبدال الكتب بالأفلام والأعمال الفنية المقتبَسَة والمستوحاة منها، ازداد الاهتمام بالكتب. وهناك ما لا يقل عن سبعة كتب ضمن قوائم أفضل 20 كتاب مطبوع وإلكتروني مبيعًا والتي قد تحولت إلى أفلام شهيرة أو قيد الإنتاج حاليًا. وكما أشرت أعلاه، ليست جميعها من الكتب الجديدة ذائعة الصيت. فقد أعاد فيلم “غاتسبي العظيم” (The Great Gatsby) هذا الصيف الاهتمام بالرواية القديمة التي يرجع تاريخها إلى 90 عامًا، كما أن الروايات غير المعروفة مثل روايتيّ “حرب الزومبي العالمية” (World War Z)، و”المعالجة بالسعادة” (The Silver Linings Playbook) أصبحت تتصدر حاليًا قوائم الكتب الأفضل مبيعًا.

ينبغي أن يكون المستقبل الذي نتمكن خلاله من رواية القصص بأشكال إعلامية مختلفة مدهشًا ومثيرًا للقراء وعاشقي الأفلام على حد سواء. ولقد تمت تهيئة الكتب على هيئة أفلام على مدى عقود عديدة ولكن عادةً ما يتصور الجمهور أن هذه الأفلام تنتقص من قدر الكتب المُقتبَسَة منها (وكثير منها كذلك بطبيعة الحال) إذ إنها لا تعكس النص بكل معطياته اللغوية، إلا أن هذا الاعتقاد بدأ يتغير إلى حد ما.

فعلي سبيل المثال: تعد رواية “مباريات الجوع” (The Hunger Games) أحد الروايات الممتعة التي تدور حول فكرة شيقة ومحورية إلا أنها تفتقر إلى جماليات اللغة. ويعتقد الكثيرون بأن الأعمال الفنية أفضل من الكتب إلى حد كبير. وعلى الجانب الآخر، انتهى العديد من قارئي رواية “غاتسبي العظيم” (The Great Gatsby) بعد مشاهدة الفيلم إلى أن الكتاب أفضل من الفيلم بكثير. ولكلا الوسطين ميزات وعيوب ولا يشترط بالضرورة أن يتعارضا مع بعضهما البعض.

صحيحٌ أن متاجر الكتب لم تعد تحظى بأهمية كبيرة في العصر الرقمي. إن اندثارها موثق جيدًا، إلا أن ذلك لا ينطبق على الصناعة ككل. ولقد أصبح هذا المجال بلا حدود جرّاء توفر سبل متنوعة أمام القرّاء لشراء الكتب وليس بسبب توقفهم عن قرائتها نهائيًا. إن تتبع إخفاق هذه الشركات ثم تقلُّص عدد جمهور القرّاء يجري مجرى الادعاء القائل بتدهور عملية البيع بالتجزئة نظرًا لتوقف المتاجر الكبرى عن ممارسة نشاطها التجاري.

لقد تدهورت الصحف وغيرها من المطبوعات الدورية تدهورًا كبيرًا نظرًا لأن صناعتها أصبحت غير ملاءمة بالقدر الكافي لطباعة المنشورات كالكتب. وستندثر في القرن الحادي والعشرين عملية شراء المواد المطبوعة التي سرعان ما ستفقد تأثيرها القوي في ظل وجود صور أخرى للنشر.

إلا أن نشر الكتب لا يواجه نفس هذه المشكلات نظرًا لأن الكتب أُعدَّت لغرض الاحتفاظ بها لأعوام، ويوجد الآن خيارٌ آخر لمن يرغبون في القراءة المناسبة على الهواتف المحمولة. ولا يتوجب على صناعة النشر إهمال الكتب المطبوعة لمواكبة القرن الحادي والعشرين.

لا تزال تواجه صناعة النشر بعض القضايا- فقد أدّى النجاح المدهش لبعض الأفلام الكبيرة مثل سلسلة “50 ظل للرمادي” (50 Shades of Grey)، و”مباريات الجوع” (Hunger Games) إلى تحقيق إيرادات كبيرة وانحسار عدد الكتب الأفضل مبيعًا، لا سيّما شركة أمازون التي أصبحت مسيطرة على السوق بشكل أكبر مما كان الوضع عليه سابقًا- إلا أن كلًا من الكتب الإلكترونية والمطبوعة باقية، وهذا هو أفضل ما يناسب جميع القرّاء.

كُتب بواسطة كريستي ألن، وتُرجم من قِبل المكتبة الرقمية السعودية.

المصدر

أدرجت في: الكتب الإلكترونية

اكتب تعليقُا (0) ↓

اكتب تعليقُا