أخبار المكتبة

المكتبة الرقمية الأمريكية العامة: حديثة العهد ولكنها ذائعة الصيت

عقب أعوام من إجراء المحادثات الواعدة والمثمرة، شهد الربيع المنصرم بزوغ فجر المكتبة الرقمية الأمريكية العامة بعد أن كانت مجرد فكرة.

ولاحت بوادر الخير. فبعد مرور سبعة أشهر فقط، أصبحت المكتبة الرقمية الأمريكية العامة حلقة وصل مركزية في شبكة واسعة من المؤسسات الثقافية التي ترغب في ترويج موجوداتها.  كما إنها اجتذبت الدعم المادي من المؤسسات والوكالات الحكومية، من بينها “هيئة الأوقاف الوطنية للدراسات الإنسانية”، و”مؤسسة ألفريد سلون”، ولا سيّما “مؤسسة بيل وميليندا غيتس” مؤخرًا.  ولم تجتذب المكتبة المستخدمين الباحثين عن المعلومات على نطاق واسع فحسب، ولكنها اجتذبت أيضًا المطورين الراغبين في إنشاء أدوات وتطبيقات جديدة على منصاتهم مفتوحة المصدر.

والعاملون بالمكتبة -على قلة عددهم- لديهم الكثير من المهام، وذلك قبل أن تتحقق بشكل كامل الرؤية الخاصة بالمكتبة الرقمية والتي أُنشئت من أجلها.

لا تُصَنَّف المكتبة على ما أسماه دان كوهين، المديرالتنفيذي للمكتبة بالنموذج “الملكي” إذ إنها تعتمد على العديد من المؤسسات الشريكة.  فهي لا تهدف إلى أن تكون النظير الافتراضي لمكتبة الكونجرس -على سبيل المثال- والتي تعتبر مستودعًا مركزيًا لمجموعات من الصور والنصوص. كما إنها لا تعمل في مجال حفظ الكتب. ولكنها تعمل كحلقة وصل أو تجميع فائقة.  فهي تضم بين جنباتها ملايين السجلات المودعة لدى المكتبات والمتاحف والجمعيات التاريخية وغيرها من المؤسسات الثقافية في جميع أنحاء البلاد والتي وصل عددها إلى أكثر من 1100 سجل حتى الآن، ثم تتولى توحيد­ البيانات التعريفية لهذه السجلات، واستخدامها في توجيه الباحثين إلى المواد المتعلقة باهتماماتهم.

وللقيام بجميع ذلك، تعتمد المكتبة الرقمية على نظام “محاور الخدمات” الذي يزودها بسجلات من الكيانات الصغيرة من مختلف المناطق في البلاد. وفي المقابل، توجه المكتبة الرقمية الأمريكية العامة روّادها إلى المجموعات الفردية أينما كانوا.  يشبّه السيد/ كوهين هذا النظام بالنظام الإيكولوجي الذي تتدفق فيه المياه من البركة إلى النهر إلى المحيط في دورة مستمرة.

يتضمن نظام “محاور الخدمات” تسع تحالفات مكتبية أو مكتبات رقمية دولية وإقليمية كبرى، من بينها الشبكة الرقمية لولاية نيويورك، ومكتبة كنتاكي الافتراضية، ومكتبة ماونتن ويست الرقمية، ومكتبة مينيسوتا الرقمية، ومركز شمال كارولينا للتراث الرقمي. كما يساهم هذا النظام في “تنظيم البيانات التعريفية ووضع المحتوى في نصابه” على حد قول السيد/ كوهين، علاوة على أنه يستضيف المحتوى الممسوح ضوئيًا والمحتوى الرقمي، وبذلك لا يتعين على المكتبة الرقمية الأمريكية العامة القيام بذلك.

كما يوجد أيضًا “محاور المحتويات”، وهي تتألف من المؤسسات التي تحتوي على أكثر من 250000 سجل فريد من نوعه لإضافتها إلى القاعدة التجميعية. وتتضمن محاور المحتويات كلًا من مكتبة آرت ستور “Artstor”، ومكتبة إنترنت أرشيف “Internet Archive”، ومكتبة نيويورك العامة، ومكتبات جامعتيّ هارفارد وفيرجينيا. وكذلك، مستودع HathiTrust الرقمي بجامعة ميشيغان في آن آربور حيث يضم ملايين المجلدات الرقمية لأكثر من 80 مؤسسة شريكة.

إنشاء شبكة

يقول السيد/ كوهين: “أعتقد أن أحد الأسباب التي تجعل الناس يميلون إلى المكتبة الرقمية الأمريكية العامة هو قدرة المرء على العثور على المواد من الأرشيف الريفي الصغير إلى جانب أشياء من مؤسسة سميثسونيان”.

لقد عزز هذا الترويج المتزايد بعض المؤسسات بالفعل. فعلى سبيل المثال، تحظى جمعية مقاطعة نيكوليت التاريخية في شارع بيتر، ولاية مينيسوتا، على بعد 70 ميل تقريبًا جنوب غرب المدن التوأم بالكثير مما يجذب علماء الأنساب والمؤرخين في المنطقة. فهي تمتلك الكثير من الصور الفوتوغرافية من القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وسجلات المستشفى الأولى بولاية مينيسوتا، ودفتر الأستاذ الخاص بمجلس أول مدرسة في الولاية، وغير ذلك من المواد التي تسرد قصة “وادي نهر مينيسوتا” وما وراءه.  إلا إنها لم تشهد إقبالًا كبيرًا من الزائرين، وكما صرّح المدير التنفيذي للجمعية: “نحن نمتلك بعض الأشياء الثمينة التي لا يعلم الجمهور أنها متوفرة لدينا”.

إلا أن ذلك الأمر يتغير. فقد ساهمت مكتبة مينيسوتا العامة -إحدى المكتبات الرقمية العامة التابعة لنظام “محور الخدمات” في أمريكا- بالمسح الضوئي والبيانات التعريفية، وتمكنت الجميعة التاريخية من تحميل سجلاتها وإتاحتها للجمهور من خلال المكتبة الرقمية الأمريكية العامة. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت نسبة الوصول إلى الموقع الإلكتروني للجمعية التاريخية أكثر من الضعف.

وفي هذا الصدد، يقول السيد/ ليونارد: “لقد ازدادت قدرتنا على إخطار الجمهور بالمجموعات التي نزخر بها بشكل كبير”. وعلاوة على ذلك، “لم يتم فقط ترقيم صورنا” القيّمة على حد قوله. “بل أُنشئت أيضًا تلك الشبكة” التي تستفيد منها منظمته من حيث الخبرات والأفكار.

تنتمي قرابة 160 مؤسسة من بينها الجمعية التاريخية إلى مكتبة مينيسوتا الرقمية بحسب قول جون باتلر؛ أمين مكتبة منتسب في الجامعة، والمسؤول عن البيانات والتكنولوجيا في مكتبات جامعة مينيسوتا. (تدير الجامعة مكتبة الولاية الرقمية، وتدعمها الولاية ماليًا).

ويقول السيد/ باتلر: “تعمل المكتبة الرقمية الأمريكية العامة على تسليط الضوء على هذه المؤسسات المحلية والإقليمية وإظهارها على الساحة الوطنية”. وشهدت مكتبة مينيسوتا الرقمية ارتفاعًا بنسبة 55% في نسبة الوصول إلى موقع مستودعها منذ أبريل لعام 2013. وأعرب عن ذلك قائلًا: “إنه حافز قوي” للمشاركة. وأضاف: “وقد أصبح هذا الكيان شىٌ نرغب في أن نكون جزءًا منه بالفعل”.

الدعوة إلى الانفتاح

وأشار السيد/ باتلر إلى أنه وزملائه في مينيسوتا شهدوا محاولات أخرى على نطاق واسع من مجموعات البيانات التعريفية، حيث قال “أعتقد أن هذا الشىء مختلف نظرًا لعدة أمور”. كما قال “أن المكتبة الرقمية الأمريكية العامة لا تصل إلى جميع المنظمات ذات التراث الثقافي بطريقة جديدة فحسب ولكنها أزاحت أيضًا قدرًا كبيرًا من قلق هذه المنظمات إزاء تبادل هذه البيانات التعريفية”. كما أضاف السيد/ باتلر قائلًا: “لقد بدأنا نرى مجموعة من الدعاوى إلى الانفتاح”.

لقد أضافت المكتبة الرقمية العديد من السجلات على جناح السرعة من خلال أنظمة محاور الخدمات والمحتويات التي تزودها بالبيانات التعريفية. وقد بدأت في أبريل بنحو 2.5 مليون مادة على حد قول السيد كوهين. وارتفع عدد المواد مع بداية شهر ديسمبر إلى 5.5 مليون مادة تقريبًا. (قد يمثل كل سجل عدة مواد مثل الأعمال المسلسلة أو الأعمال متعددة المجلدات، وتحظى المكتبة الرقمية الأمريكية العامة بنحو 1.5 مليون سجل حتى الآن من مستودع HathiTrust -على سبيل المثال- حيث تمثل هذه السجلات 3.5 مليون مجلد تقريبًا).

وبمجرد وصول السجلات، يجب أن يقوم شخص ما بتوحيد هذه المعلومات. وفي هذا الصدد، يقول السيد/ كوهين: “يعلم الجمهور الذي اعتاد زيارة المكتبات ودوائر المحفوظات والمتاحف لبعض الوقت أن الجميع يحصل على قواعد بيانات مميزة ولا مثيل لها”.  وأضاف: “ومن ضمن الأمور الكبيرة التي نقوم بها خلف الكواليس تطبيع جميع هذه البيانات”.  وقد تكون هذه العملية غير جذابة إلى حد كبير إلا أنها ضرورية.

إن عملية تطبيع البيانات هذه تتيح عرض الرسائل بطرق إبداعية ومبتكرة، على سبيل المثال: تعيين النتائج من خلال الموقع الجغرافي.  لقد قام للتوّ فريق المكتبة الرقمية الأمريكية العامة الصغير بتعيين مديرًا للتكنولوجيا ألا وهو السيد مارك ماتينزو، وهو أمين الأرشيف الرقمي بجامعة يال، ويأمل السيد/ كوهين أن يصل عدد الموظفين إلى ثمانية بنهاية العام.

وفي غضون ذلك، بدأ المستخدمين في استخدام الموقع. وبحلول شهر أكتوبر، شهدت المكتبة الرقمية الأمريكية العامة مئات الآلاف من الزيارات لمشاهدة صفحات الموقع وهو معدل مقبول على حد قول السيد/ كوهين. وقد شجعه “هذا المستوى العالي من المشاركة” فيما بين مستخدمي الموقع الذين يتصفحون ست صفحات تقريبًا عند كل زيارة. وأعرب السيد/ كوهين عن سعادته قائلًا: “يسرني هذه الإحصاءات ولكنني أعتقد أننا مازلنا في بداية الطريق من حيث الترويج والاشتهار”.

صُمِّمت المكتبة الرقمية الأمريكية العامة حتى لا تكون بوابة معلوماتية فحسب، بل منصة تتيح للجمهور إنشاء تطبيقات جديدة من خلالها. وقد يبدو ذلك جزءًا من هدف تأسيسها: وقد بلغ عدد مرات الدخول إلى واجهة برنامج التطبيق الخاص بها 1.7 مليون مرة حتى الآن. ويعد تطبيق OpenPics خير مثال على هذه الإمكانيات. فهو يستخدم نظام تحديد المواقع العالمي GPS لجمع المواد المحدد موقعها من المجموعات المرتبطة بالمكتبة الرقمية الأمريكية العامة ومن ثم يتمكن المستخدم من إنشاء مجموعة نتائج مخصصة ومحددة الموقع. إن هذا النوع من المشاركة هو “أحد أشكال النجاح الذي لن يتضح في تصنيفات جوجل الموثوقة” بحسب قول السيد/ كوهين.

وقد تساعد المنحة التي حصلت عليها مؤخرًا المكتبة الرقمية الأمريكية العامة من مؤسسة جيتس بقيمة 1 مليون دولار على معالجة علاقتها بالمكتبات العامة. سيتم تمويل البرنامج التدريبي من خلال منحة جيتس حتى يكتسب أمناء المكتبات العامة مزيدًا من المهارات الرقمية ليتسنى لهم العمل على مواد المكتبة الرقمية الأمريكية العامة بكل سهولة ويسر.

وعلى الرغم من نموها السريع، لا يزال أمام المكتبة الرقمية الأمريكية العامة الكثير من التوسع إذا أرادت أن تحقق التوقعات المرجوة منها.  تفتقر العديد من المناطق في الدولة إلى محاور الخدمات، ومن ثمّ، تحتل إضافة المزيد من المحاور الأولوية القصوى، وكذلك توسيع نطاق المؤسسات الثقافية والمواد المتضمنة.  فعلى سبيل المثال، يود السيد/ كوهين رؤية المزيد من المواد السمعية المرئية إلى جانب المزيد من الكتب الحديثة رغم أن كيفية التعامل مع حقوق النشر والتأليف لا تزال غامضة.

وفي هذا الصدد، يشير السيد/ كوهين إلى أن”مصطلح ‘مكتبة’ له مفهوم واسع جدًا”، وأضاف قائلًا: “نحن لا نحتاج سوى أن نعمل على نحو أفضل من أجل تحقيقه”.

كُتِب بواسطة جنيفر هوارد، وتمت الترجمة من قِبل المكتبة الرقمية السعودية.

المصدر

أدرجت في: أخبار المكتبات حول العالم

اكتب تعليقُا (0) ↓

اكتب تعليقُا