أخبار المكتبة

هل تعود الحياة قريباً إلى المكتبة الوطنية اللبنانية؟

5fbc6584a4c44735ac040230eadb1db7

إليان حداد –

في عهد هيرودوس عام 14 قبل الميلاد وعندما كانت بيروت مدينة رومانية كاملة الحقوق وكانت في أزهى أيامها، منحت لقب المستمعرة الممتازة، واشتهرت بمدرسة القانون التي استمرت بتدريس الحقوق لأكثر من 300 سنة، وكانت في ذلك العهد مرجعاً لطلاب العلم من داخل البلاد وخارجها.

وهذه المدرسة أكسبت بيروت في ذلك الحين لقب «أم الشرائع ومرضعة العلوم».

ومنذ ذلك الوقت، والمدينة تحتفظ بهذا اللقب على رغم أن مدرسة الحقوق دمّرت في موجة الزلازل التي ضربت بيروت عام 551 ميلادية. ففي منتصف القرن التاسع عشر، أتت الإرساليات الغربية ومفكرون من العالم العربي ونظّموا المدينة، فأصبحت مركز الثقافة والفكر العربي ومركز تنوع عالمي بوجود الأوروبيين والأميركيين. فأنشأ البريطانيون شركة مياه والفرنسيون شركة إمداد الغاز والأميركيون المدارس والجامعات، ومن أشهرها الجامعة الأميركية في بيروت التي أسسها عام 1866 المبشّر الأميركي دانيال بليس على أن تكون مؤسسة غير طائفية، وتطوّرت حتى ذاع صيتها وأصبحت عام 1920 من أرقى جامعات العالم وما زالت، وجامعة القديس يوسف التي أسسها اليسوعيون عام 1875.

بعد سنوات طويلة، تنبّه فيليب دو طرزي، وهو أديب وشاعر ومؤرخّ تعود أصوله إلى الموصل، إلى أن بيروت التي تعتبر حاضرة العلم تفتقر إلى مكتبة عامة يلجأ إليها رواد المعارف للبحث والمطالعة، فعرض الفكرة على الحكومة التي كلّفته تنفيذ هذا المشروع الوطني. فبذل جهوداً كبيرة لتأسيسها، وخصّص الكثير من ماله ووقته لإنجازها. فكان أن أنشأ دار الكتب في بيروت التي سميت «دار الكتب الكبرى»، إلى حيث نقل مكتبته الخاصة التي ضمّت نفائس الكتب المخطوطة والمطبوعة.

وعام 1922 احتفل رسمياً بتدشين الدار في مبنى «الدياكوتيس» في وسط بيروت برئاسة المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو. وبعدما صدر مرسوم يضع النظام الأساسي للمكتبة الوطنية التي أصبحت مصلحة ملحقة بوزارة التربية الوطنيّة، انتقلت المكتبة ومجموعتها المؤلّفة من 32 ألف كتاب إلى مقرّها الجديد الذي عمل على إنشائه المهندس مرديروس الطونيان في مبنى مجلس النواب في ساحة النجمة في بيروت. وافتتحت رسمياً عام 1937 في حضور رئيس الجمهورية إميل إده.

وبقيت المكتبة في مركزها حتى بداية الحرب الأهلية عام 1975، حين اندلعت المعارك في وسط بيروت حيث تقع المكتبة. وخلال سنوات الحرب تعرضت المكتبة لأضرار كبيرة. وفي 1993 أنشئت وزارة الثقافة في لبنان وأصبحت المكـــتبة الوطــنية من المهمات الموكلة إليها.
المبنى الحالي
عام 1999 حضر إلى لبنان خبراء من المكتبة الوطنية الفرنسية والاتحاد الأوروبي لتقويم حجم الأضرار والمفقودات في المبنى القديم للمكتبة، وعلى إثر الجولة أعلنت وزارة الثقافة أن ورشة إعادة تأهيل المكتبة تندرج ضمن أولويات العام 1999، وتقرر وضع مبنى كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية في الصنائع، في تصرف وزارة الثقافة لإقامة المقر النهائي للمكتبة الوطنية. وعام 2003، انطلق مشروع إعادة التأهيل، وهدف إلى تدريب الموارد البشريّة وإنشاء المكتبة الوطنية كمؤسسة عامة مستقلة، إلى أن أصبح كل شيء مطابقاً للمعايير المطلوبة.

وفي 2005 قدّم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني هبة قيمتها 25 مليون دولار لترميم المبنى القديم وبناء مساحات إضافية للمكتبة الوطنية في مقرّها في الصنائع، فبدأ العمل على هذا المشروع عام 2010 وكان من المقرر أن تنتهي الأعمال العام الماضي لكنها ما زالت مستمرة. عن هذا، يقول وزير الثقافة ريمون عريجي لـ «الحياة»: «إن المرحلة الأولى من الجانب الإعماري لمبنى المكتبة قد أنجز من حيث ترميم القسم الأكبر من المبنى وتجهيزه وتوسيع المساحة الحالية بإضافة أربعة طوابق سفلية للمخازن ومواقف السيارات، اما المرحلة الثانية المتبقية لإنجاز المراحل النهائية فلا تحتاج الا الى فترة قصيرة. أما التأخير فيعود إلى أنه عام 2008، صدر قانون «المؤسسات العامة المستقلة والمرتبطة بوزارة الثقافة» الذي حمل الرقم 36/2008، وهي المعهد العالي للموسيقى والمكتبة الوطنية والهيئة العامة للمتاحف، لكنّه لم يصبح فاعلاً بسبب عدم صدور المراسيم التنظيمية لعملها، ما ادى الى التأخر في إنجاز المكتبة وبدء العمل فيها، الا أنه وبفضل جهود الوزارة الحالية وإصرارنا على إصدار المراسيم، صدر في نيسان (أبريل) الماضي مرسوم تنظيم المكتبة الوطنية وطريقة تأليف مجلس إدارتها وتحديد مهماته وصلاحياته وقواعد تسيير أعماله، وطريقة ممارسة سلطة الوصاية رقابتها عليه»، وبموجبه سيعين مجلس ادارة يتولى ادارة المكتبة وبدء تحضيرها تمهيداً لافتتاحها.

أما عن الدور المرسوم للمكتبة وماذا تتوقّع الوزارة أن تحقق فقال: «من المفترض أن تلعب المكتبة الوطنية دوراً جوهرياً في قلب الحياة الثقافية اللبنانية، وأن تصبح مركزاً مهماً لاستقطاب كل فئات المجتمع، وفقاً لبرنامج سنوي ثقافي معد ليجذب الرواد اليها». ولفت إلى أن «المكتبة ستشكل منبراً للانفتاح في الثقافة اللبنانية كما على الثقافات الأخرى، وستعرّف بالنتاج الفكري الوطني بمختلف الوسائل خصوصاً بنشر البيبليوغرافيا الوطنية، كما تسعى إلى احتلال موقع الريادة الوطنية وتشكيل مركز للامتياز في البحوث المتعلقة بالكتب والكتّاب والمكتبات والمعلومات، كذلك في تنمية المهن والمهارات المتصلة بهذه الميادين»، موضحاً أن أهم الوظائف التي تضطلع بها المكتبة «هي استقطاب الرواد الى قاعات المطالعة المعدة لإتاحة المجال أمام جمهورها من المهتمين والباحثين والطلاب للاطلاع على مضمون النتاج الفكري، اضافة الى تنظيم المعارض والعروض والنشاطات الثقافية».

يبقى القول إن أهم عنصر من عناصر نجاح المكتبة الوطنية وأي مكتبة عامة هو «العموم»، أي الجمهور الذي سيرتاد هذا المكان ويبث الحياة في جنباته. والحال، أن «الجمهور» اللبناني، على غرار «الجماهير» العربية، ليس بقارئ نهم، ويفضّل الجلوس في مقهى على الغوص في متون الكتب القيّمة… فلننتظر ونرَ.

المصدر

أدرجت في: أخبار المكتبات حول العالم

اكتب تعليقُا (0) ↓

اكتب تعليقُا